في ركنٍ هادئ من المشهد الثقافي الهولندي، يسطع اسم محمد بنزكور، الكاتب والمؤلف المغربي الذي اختار الهجرة جسدًا، دون أن يقطع حبل الوجدان مع وطنه الأم. وُلد بنزكور بمنطقة بني سيدال بمدينة الناظور في شرق المغرب، وهناك تشكلت بذور رؤيته الأدبية الأولى، بين منعرجات الجبال ودفء القرية، قبل أن يشق طريقه نحو أوروبا، حيث استقر في هولندا وأعاد بناء ذاته بين ثقافتين متباعدتين ومتداخلتين في الآن ذاته.
محمد بنزكور ليس مجرد مهاجر؛ إنه حامل ذاكرة، وناقل صوت، وصانع سرديات تنبض بروح المغرب وتستنشق هواء المنفى. من خلال مؤلفاته، نسج جسورًا بين تجربته الشخصية كجزء من الجالية المغربية، وبين قضايا الهوية، والاندماج، والانتماء.
من أبرز أعماله كتاب “يوميات مهاجر سري”، الذي لاقى صدى واسعًا، حيث يُعتبر شهادة حيّة عن واقع الهجرة، لا بصورتها المعلّبة، بل بتفاصيلها القاسية والإنسانية، بتناقضاتها وآمالها المنكسرة. بأسلوب صادق، وبلغة تحتفي بالبساطة، يروي بنزكور تجربة العبور، والاغتراب، ومحاولات بناء الذات في مجتمع جديد، دون التخلي عن الذاكرة الأصلية.
أعماله الأخرى تتنوع بين الكتابة الأدبية والمقالات التحليلية، حيث يتناول مواضيع مثل التعدد الثقافي، الهوية المزدوجة، قضايا الجالية المغربية في أوروبا، خاصة الجيل الثاني والثالث، الذين يعيشون في مفترق طرق بين ثقافة الأهل وتحديات الاندماج.
إلى جانب كتاباته، يُعد بنزكور فاعلًا ثقافيًا نشيطًا، حيث شارك في العديد من الندوات واللقاءات الفكرية داخل هولندا وخارجها، مساهِمًا في خلق مساحة للنقاش حول قضايا الهجرة والمواطنة والانتماء. كما ساهم في مبادرات مجتمعية تهدف إلى تعزيز الحوار بين الثقافات والتعريف بالثقافة المغربية في المشهد الهولندي.
اليوم، يُعتبر محمد بنزكور من الأصوات المغربية المُضيئة في أوروبا، تلك التي لم تغفل عن جذورها، ولم تستسلم لتشظيات الاغتراب، بل جعلت من الهجرة معبرًا نحو الإبداع، وجعلت من الكتابة وسيلة للمصالحة مع الذات، ومع الوطن، ومع الآخر.

التعليقات 0